في الوقت الذي تُسوَّق فيه الداخلة كواحدة من أكبر الأوراش التنموية بالمغرب، يعيش آلاف الشباب على وقع واقع مختلف تمامًا؛ واقع عنوانه البطالة، وضياع الفرص، وتراكم الملفات الاجتماعية التي بقيت حبيسة الرفوف لسنوات طويلة دون حلول حقيقية. وبين الخطابات الرنانة والوعود المتكررة، يزداد الإحباط، وتتسع الهوة بين ما يُقال وما يعيشه المواطن يوميًا.
المشهد السياسي بالداخلة لم يعد يدور حول البرامج أو المشاريع أو الدفاع عن مصالح الساكنة، بل تحول في كثير من الأحيان إلى سباق محموم نحو تغيير الألوان الحزبية والبحث عن مواقع جديدة داخل خارطة النفوذ. فكلما اقترب استحقاق سياسي أو تغيرت موازين القوى، شاهدنا منتخبين ينتقلون من حزب إلى آخر، وكأن الأزمة كانت في لون الشعار لا في طريقة تدبير الشأن العام. يتغير الحزب، لكن تبقى الوجوه نفسها، ويبقى المواطن ينتظر الوعود ذاتها التي تتكرر منذ سنوات.
أما الشباب، فهم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. آلاف المعطلين يحملون الشهادات أو يبحثون فقط عن فرصة عمل تحفظ كرامتهم، بينما تستمر معاناتهم وسط غياب حلول اقتصادية تستوعب طاقاتهم. مدينة تزخر بالثروات البحرية والاستثمارات الكبرى كان يفترض أن تكون نموذجًا في التشغيل، لكنها ما تزال عاجزة عن منح أبنائها حقهم في الاستفادة من خيراتها، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى السياسات المحلية ومدى انعكاسها على حياة المواطنين.
ولا يمكن الحديث عن التنمية دون مساءلة حقيقية. فالتنمية ليست صورًا في المناسبات، ولا بلاغات احتفالية، ولا مؤتمرات تُنظم أمام عدسات الكاميرات، بل هي فرص شغل، وخدمات عمومية محترمة، وعدالة في توزيع الثروة، واستماع حقيقي لنبض الشارع. أما حين تصبح الأولوية هي الحفاظ على المناصب، وتقوية النفوذ، وتوسيع دوائر المصالح، فإن الخاسر الأول والأخير هو المواطن الذي يدفع ثمن سنوات من الانتظار.
لقد آن الأوان لأن يدرك المنتخبون، مهما كانت انتماءاتهم، أن التاريخ لا يخلد من غيّر الحزب، بل من غيّر واقع الناس. فالداخلة لا تحتاج إلى مزيد من الترحال السياسي، ولا إلى إعادة تدوير الوجوه نفسها، بل تحتاج إلى مسؤولين يجعلون مصلحة المدينة فوق كل اعتبار، ويضعون الشباب في صدارة الأولويات بدل تركهم فريسة للبطالة واليأس. فالأحزاب قد تتغير، لكن معاناة المواطنين لا ينبغي أن تبقى ثابتة، والمدينة التي تملك كل هذه المؤهلات تستحق مستقبلًا أفضل من صراع لا ينتج سوى المزيد من الإحباط، والمزيد من الأسئلة، والمزيد من الشباب الذين ينتظرون حقهم في وطن يتسع للجميع.
