لم تعد الاستقالات الجماعية التي تضرب حزب العدالة والتنمية مجرد أحداث تنظيمية عابرة، بل أصبحت مؤشراً واضحاً على أزمة عميقة يعيشها الحزب، خاصة بالأقاليم الجنوبية، حيث فجّرت استقالة أكثر من 30 عضواً وقيادياً بجهة العيون الساقية الحمراء موجة من التساؤلات حول مستقبل الحزب وقدرته على البقاء موحداً وسط تصاعد الصراعات الداخلية.
الوثيقة الصادرة عن المستقيلين لم تكن مجرد إعلان انسحاب، بل جاءت محمّلة برسائل سياسية قوية وانتقادات غير مسبوقة، تحدثت عن “الانتهازية”، و”التحكم”، و”إقصاء الكفاءات”، بل ووصفت ما يجري داخل الحزب بأنه انحراف عن المبادئ التي تأسس عليها “البيجيدي” لسنوات طويلة.
الأخطر في هذه الاستقالة ليس فقط عدد المنسحبين، بل طبيعة الأسماء التي قررت المغادرة، حيث يتعلق الأمر بقيادات ومناضلين اشتغلوا لسنوات داخل هياكل الحزب وساهموا في حضوره السياسي والتنظيمي بالمنطقة. وهذا ما يجعل الحدث أقرب إلى “صفعة سياسية” تكشف حجم الاحتقان الذي ظل يتراكم في صمت داخل التنظيم.
ويبدو أن الأزمة الحالية تعكس فشلاً واضحاً في تدبير الخلافات الداخلية، خصوصاً في جهة تعتبر ذات حساسية سياسية وانتخابية كبيرة. فبدل أن يتحول الحزب إلى فضاء للنقاش والتأطير السياسي، أصبح – حسب تعبير المستقيلين – ساحة للصراعات الشخصية والحسابات الانتخابية الضيقة.
كما أن تحميل جزء من المسؤولية للقيادة المركزية للحزب يكشف أن الأزمة لم تعد محلية فقط، بل ترتبط أيضاً بطريقة تدبير الحزب وطنياً، في ظل تراجع حضوره السياسي وفقدانه لعدد من قواعده ومناضليه بعد سنوات من التراجع الانتخابي.
اليوم، يجد “البيجيدي” نفسه أمام اختبار صعب بالأقاليم الجنوبية، فإما أن ينجح في إعادة بناء الثقة وترميم البيت الداخلي، أو أن تتوسع دائرة الانقسامات وتتحول هذه الاستقالات إلى بداية مرحلة جديدة من التفكك التنظيمي.
وفي المقابل، قد تستفيد أحزاب أخرى من هذا الوضع لاستقطاب أسماء ووجوه سياسية كانت إلى وقت قريب محسوبة على العدالة والتنمية، وهو ما قد يعيد رسم الخريطة السياسية بالعيون وجهة الساقية الحمراء خلال المرحلة المقبلة.
ما حدث ليس مجرد استقالة جماعية عادية، بل رسالة سياسية قوية تقول إن الأزمة داخل الحزب وصلت إلى مستوى غير مسبوق، وأن مرحلة ما بعد هذه الاستقالات قد لا تشبه أبداً ما قبلها.

