في المشهد العمومي أحيانًا يتصدر المسؤولية أشخاص يخلطون بين جوهر التدبير العمومي ومنطق الاستعراض. فبدل أن تكون المؤسسات فضاءً لصناعة الحلول وتحسين شروط عيش المواطنين، تتحول عند البعض إلى منصة للصور واللافتات والبلاغات الدعائية. وحين يغيب الفهم الحقيقي للاختصاصات، يصبح الخلط سيد الموقف، ويضيع الوقت وتتعطل مصالح الناس. فالتدبير ليس شعارات، والمسؤولية ليست لقبًا سياسيًا عابرًا، بل هي معرفة بالقانون، وفهم دقيق للاختصاصات، وقدرة على تحويل الموارد إلى أثر ملموس في حياة الساكنة.
وفي حالة رئاسة مجلس جهة وادي الذهب، يطرح كثير من المتتبعين تساؤلات جدية حول طبيعة المشاريع التي يتم تقديمها للرأي العام. فبدل التركيز على مبادرات تنموية نوعية ترفع من جودة الحياة داخل الجهة، يظهر أن جزءًا كبيرًا من “الإنجازات” المقدمة لا يتجاوز في حقيقته مشاريع تدخل في الأصل ضمن اختصاصات المجالس الجماعية. فالقانون التنظيمي واضح في توزيع الاختصاصات بين الجماعات الترابية، حيث إن تدبير عدد من المشاريع القريبة من الحياة اليومية للمواطنين يظل من اختصاص المجلس الجماعي داخل نفوذه الترابي، بينما يفترض في المجلس الجهوي أن يقود مشاريع استراتيجية كبرى ذات أثر جهوي شامل.
غير أن ما يثير الاستغراب هو محاولة تحويل بعض المشاريع المحدودة القيمة إلى مادة دعائية عبر لافتات وصور، في حين أن التنمية الحقيقية لا تقاس بحجم اللوحات الإشهارية ولا بعدد الصور المتداولة، بل بمدى تأثير المشروع في حياة المواطنين. فعندما يكون الإنجاز ضعيفًا، غالبًا ما تكبر اللافتة لتعويض صغر الأثر. وهذا ما جعل قضية نزع إحدى اللافتات تتحول إلى جدل سياسي، رغم أن الأمر في جوهره إجراء قانوني صرف يدخل ضمن صلاحيات الشرطة الإدارية للجماعة داخل نفوذها الترابي.
فالقانون واضح في هذا الباب: تدبير الملك العام الجماعي اختصاص حصري للجماعة، ولا يمكن لأي جهة—مهما كان موقعها—وضع لافتة دائمة داخل الفضاء العمومي دون ترخيص قانوني أو اتفاقية شراكة واضحة. كما أن إدراج مشروع ما ضمن المخطط الجهوي لا يمنح الحق في احتلال الملك العام أو تحويله إلى مساحة للإشهار المؤسساتي. ومن هذا المنطلق، فإن ما قام به المجلس الجماعي لم يكن قرارًا سياسيًا أو تصفية حسابات كما حاول البعض تصويره، بل تطبيقًا صريحًا للقانون وحمايةً للفضاء العمومي من أي استعمال خارج الضوابط.
وفي المقابل، كان الأولى برئاسة المجلس الجهوي أن تركز جهودها على الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤرق الساكنة. فالجهة في حاجة إلى برامج حقيقية لدعم الفئات الهشة، ومساندة الأسر الفقيرة والأرامل، وإيجاد حلول عملية لمشاكل الشباب العاطل عن العمل، إضافة إلى معالجة الإكراهات التي يعيشها أصحاب القوارب المعيشية، والدفاع عن حقوق أصحاب “الكراير” الذين طالهم تحايل لوبيات العقار والأراضي. هذه هي الملفات التي تنتظر تدبيرًا شجاعًا ومسؤولًا، لا سباقًا نحو وضع اللافتات والتقاط الصور.
كما أن الرأي العام أصبح أكثر وعيًا اليوم، ولم يعد يقنعه الخطاب الدعائي أو تضخيم المشاريع الصغيرة. فالساكنة تقارن بين الخطاب والواقع، وتراقب الأولويات الحقيقية للمسؤولين. وعندما يرى المواطن أن بعض المسؤولين يبدعون أكثر في تنمية مصالحهم الخاصة—من أساطيل بحرية إلى عقارات فخمة—مقابل ضعف الأثر التنموي في محيطهم، فإن علامات الاستفهام تصبح مشروعة، بل وضرورية في إطار الرقابة المجتمعية.
إن الحكامة الجيدة لا تقوم على الاستعراض ولا على تضخيم الإنجازات، بل على احترام القانون، وتحديد الاختصاصات بدقة، وتوجيه الموارد نحو مشاريع ذات أثر حقيقي. وما قام به المجلس الجماعي في مسألة نزع اللافتة يعكس ببساطة هذا المنطق: احترام القانون وحماية المجال العمومي. أما التنمية الحقيقية، فهي ليست لافتة تُنصب ولا صورة تُلتقط، بل تغيير ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية.
وفي النهاية، يبقى السؤال المطروح أمام رئاسة مجلس جهة وادي الذهب: هل ستستمر في منطق الاستعراض والتداخل في الاختصاصات، أم ستعيد ترتيب الأولويات نحو مشاريع استراتيجية حقيقية تليق بتطلعات ساكنة الجهة؟ لأن التاريخ المحلي لا يتذكر حجم اللافتات، بل يتذكر فقط حجم الأثر الذي تركه المسؤولون في حياة الناس.

