الداخلة.. متابعة الساحة 24
في الداخلة، يبدو أن موسم الانتخابات بدأ قبل أوانه، لكن هذه المرة ليس من أبواب المقرات الحزبية ولا من ساحات العمل الميداني، وإنما من صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تغيّر محتواها فجأة، وتُعاد هندسة صورتها بعناية، حتى بدا لبعض المنتخبين أن «العودة إلى الواجهة» يمكن أن تبدأ بمنشور مصمم بالذكاء الاصطناعي، أو بصورة مصقولة، أو بحضور إعلامي مكثف بعد سنوات من الغياب.
المشكلة ليست في استعمال التكنولوجيا، فالذكاء الاصطناعي أداة متاحة للجميع، وليست المشكلة في أن يسوّق المنتخب لنفسه إعلامياً. المشكلة تبدأ عندما يتحول التسويق إلى محاولة لصناعة تاريخ سياسي لم يكن موجوداً أصلاً.
فالسؤال الذي يطرحه الشارع في الداخلة اليوم ليس: من يملك أفضل صفحة؟ ولا من يستطيع إنتاج أجمل صورة أو أكثر فيديو إثارة؟
السؤال الحقيقي أبسط وأقسى:
أين كنتم عندما كانت الداخلة تحتاج إلى من يترافع عنها؟
أين كان بعض هؤلاء المنتخبين طوال السنوات الماضية؟ أين كانت مواقفهم من الملفات الاجتماعية والاقتصادية؟ أين كانوا عندما كان المواطن ينتظر من يمثله ويدافع عن مصالحه؟ وأين كانت أسماؤهم عندما كانت قضايا المدينة تحتاج إلى حضور يومي، وليس إلى ظهور موسمي قبيل الاستحقاقات؟
الساكنة لم تعد تقيس السياسي بعدد الصور التي ينشرها، ولا بعدد الصفحات التي تتحدث عنه، ولا بحجم المحتوى المصنوع بعناية.
الناس تقيس السياسي بما فعل عندما لم تكن الكاميرات موجودة.
وهنا تحديداً تظهر المفارقة.
هناك من ظل حاضراً في الميدان، يشتغل ويترافع ويتابع الملفات ويظهر أمام الناس، بكل ما له وما عليه، ويمكن للمواطن أن يحاسبه على حصيلة واضحة.
وفي المقابل، هناك من اختار الصمت لسنوات، ثم اكتشف فجأة أهمية الإعلام، وأهمية التواصل، وأهمية الظهور، وأهمية أن تتحدث عنه الصفحات.
لكن السياسة ليست «موسماً إعلامياً».
السياسة حضور، ومسؤولية، ومواقف، وتراكم.
ومن اختفى سنوات، لا يمكنه أن يطلب من ذاكرة الناس أن تختفي معه.
الداخلة تغيرت كثيراً. المواطن اليوم أكثر وعياً، وأكثر قدرة على المقارنة، وأقل استعداداً لتصديق الصورة اللامعة وحدها.
لقد أصبح بإمكان المواطن أن يضع أمامه سنوات من العمل، ثم يقارنها بأسابيع من الظهور الإعلامي.
وهنا يسقط الكثير من «البريق».
فالمنتخب الحقيقي لا يحتاج إلى أن يخبر الناس كل يوم بأنه منتخب جيد؛ حصيلته هي التي تتحدث عنه.
ومن يملك رصيداً حقيقياً من العمل، لا يخشى المقارنة.
أما من يعتمد على إعادة تقديم نفسه إعلامياً، وعلى صفحات تتغير لهجتها ومحتواها فجأة، فعليه أن يتقبل السؤال الطبيعي:
لماذا الآن؟
لماذا بعد سنوات من الغياب؟
لماذا بالتزامن مع اقتراب الاستحقاقات؟
ولماذا أصبح التواصل مع المواطن فجأة أولوية، بعدما كان الغياب هو العنوان؟
هذه ليست دعوة لمهاجمة الأشخاص، وإنما دعوة إلى مهاجمة منطق سياسي كامل يقوم على الاعتقاد بأن ذاكرة المواطن قصيرة، وأن الصورة المصنوعة قادرة على محو سنوات من الغياب.
الداخلة ليست مختبراً لصناعة الصور السياسية.
وليست منصات التواصل الاجتماعي صندوق اقتراع.
وليست كثافة المنشورات دليلاً على كثافة العمل.
والذكاء الاصطناعي يستطيع أن يصنع صورة مثالية، لكنه لا يستطيع أن يصنع حصيلة سياسية من العدم.
لقد وصل النقاش في الداخلة إلى مرحلة مختلفة. المواطن يريد أن يعرف: من كان حاضراً؟ من اشتغل؟ من ترافع؟ من تابع الملفات؟ من وقف إلى جانب المواطنين؟ ومن لم يظهر إلا عندما اقترب موعد الانتخابات؟
وهذه المرة، يبدو أن المعركة لن تكون بين من يملك أكبر آلة إعلامية، وإنما بين من يملك أكبر رصيد في ذاكرة الناس.
وفي النهاية، الصندوق لا يصوّت للصور.
ولا يصوّت للصفحات.
ولا يصوّت للذكاء الاصطناعي.
الصندوق يصوّت للإنسان الذي يثق به المواطن، ولمن أثبت حضوره عندما كان الحضور مكلفاً، وليس فقط عندما أصبح الظهور مربحاً.
ولذلك، فإن بعض الوجوه التي عادت فجأة إلى المشهد عليها أن تدرك جيداً أن الداخلة ليست كما كانت.
فالساكنة تراقب، وتقارن، وتتذكر.
ومن يريد تمثيل الداخلة من جديد، فعليه أولاً أن يجيب عن سؤال واحد لا يمكن لأي تقنية أن تجيب عنه نيابةً عنه: ماذا قدمت للداخلة عندما لم تكن الانتخابات على الأبواب؟
