مشهدٌ صادمٌ، بل مُهين للوظيفة العمومية، ذلك الذي تناقلته الأوساط المحلية بالداخلة، حيث ظهر مسؤولون محليون في وضع أقرب إلى التباكي أمام أنظار وزراء قادمين من الشمال، لا لعرض رؤية تنموية واضحة، ولا لفرض التزامات قانونية على المستثمرين، بل من أجل التوسل لإقناع الشركات بتوفير مناصب شغل لأبناء المنطقة.
المفارقة الصادمة أن هؤلاء المسؤولين أنفسهم هم من فتحوا الأبواب لهذه الشركات، وهم من يملكون – نظرياً وقانونياً – زمام القرار الترابي، فكيف تحوّل صاحب السلطة إلى طالب شفاعة؟ وكيف أصبح المسؤول المحلي عاجزاً عن فرض أبسط شرط اجتماعي مقابل الامتيازات العقارية والضريبية التي مُنحت بسخاء؟
إن هذا المشهد لا يعكس فقط ضعفاً في التفاوض، بل يكشف أزمة شخصية قيادية حقيقية، حيث غابت الجرأة وحضر الخضوع، وغابت سلطة القرار وحلّ محلها خطاب الاستعطاف. فالمسؤول القوي لا يتسوّل حق الساكنة، بل يفرضه ضمن عقود واضحة، ويجعله شرطاً غير قابل للنقاش: تشغيل أبناء الداخلة أولاً، أو لا استثمار.
ما يحدث اليوم يؤكد أن المسؤول المحلي الذي فتح الباب أمام المستثمرين دون ضمانات اجتماعية صار اليوم عاجزاً عن تصحيح خطئه، بل لجأ إلى استعراض الضعف أمام وزراء آخرين، وكأن القرار لم يكن يوماً بيده. وهذا في حد ذاته اعتراف صريح بفشل التدبير، وعجز عن تحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية.
أما الشعارات التي تُرفع اليوم حول “تشغيل الشباب” و”أولوية أبناء الجهة”، فلا تعدو أن تكون خطابات نخبوية موسمية، أُعيد تسويقها استعداداً للاستحقاقات القادمة، دون أي أثر ملموس على أرض الواقع. فالساكنة لم تعد تُقاس وعودها بالكلمات، بل بالأرقام والنتائج.
لقد وعى أهل الداخلة جيداً أن بعض من يُفترض فيهم الدفاع عن مصالحهم ليسوا سوى نفّاخة خطابية، تجيد الحديث أمام الكاميرات، لكنها تعجز عن فرض أبسط شروط العدالة المجالية. والمسؤول الذي لا يملك الجرأة على المستثمر، لا يُعوَّل عليه في الدفاع عن الساكنة.
الداخلة لا تحتاج إلى مسؤولين يتباكون في الكواليس، بل إلى شخصيات قوية، تمتلك رؤية، وتفرض احترام المنطقة وأبنائها، وتُدرك أن التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد المشاريع، بل بعدد فرص الشغل التي تذهب فعلياً لأبناء الأرض.

