خروج جيل “Z” إلى شوارع الدار البيضاء مؤخرًا لم يكن مجرد حدث عابر أو موجة احتجاجية محدودة، بل يمكن قراءته كإشارة واضحة على دخول المغرب مرحلة جديدة من التعبير الاجتماعي والسياسي. هذا الجيل، المولود بين منتصف التسعينيات وبداية الألفية، لم يعد يقبل دور المتفرج على الأزمات المتراكمة، بل قرر أن يمسك زمام المبادرة، وأن يرفع صوته عاليًا في مواجهة السياسات العمومية التي يعتبرها غير منصفة.
من الفضاء الافتراضي إلى الشارع
ما يميز هذه التحركات أنها لم تولد من رحم الأحزاب السياسية أو النقابات التقليدية، بل تشكّلت في فضاء رقمي خالص. عبر “الهاشتاغات”، مقاطع الفيديو القصيرة، والبث المباشر، نجح شباب “Z” في تحويل الغضب الفردي إلى قوة جماعية منظمة. هذه القدرة على التنسيق خارج الأطر الكلاسيكية تضع صانع القرار أمام معادلة جديدة: كيف يتعامل مع فاعل اجتماعي بلا قيادة مركزية، لكنه يتمتع بزخم شبابي يصعب احتواؤه؟
خطاب جديد، لغة جديدة
خطاب جيل “Z” لا يتحدث بلغة الإيديولوجيا أو الشعارات القديمة. إنه خطاب مباشر، عملي، ومتشبّع بروح المقارنة العالمية. شباب اليوم يقيسون أوضاعهم بما يرونه يوميًا عبر الإنترنت: جودة التعليم في أوروبا، مستوى العيش في الخليج، دينامية أسواق العمل في آسيا. ومن هنا، تتبلور مطالب واضحة: عدالة اجتماعية، فرص عمل لائقة، خدمات عمومية ذات جودة، وحريات فردية وجماعية مضمونة.
أزمة وسائط تقليدية
أحد أبرز دلالات هذا الحراك هو تراجع دور المؤسسات الوسيطة. الأحزاب السياسية، النقابات، وحتى جمعيات المجتمع المدني، تبدو بعيدة عن نبض الشارع الشاب. فقد نجح جيل “Z” في فرض نفسه كفاعل مستقل، يرفض الانضواء تحت عباءات تقليدية. هذا الوضع قد يقود، في غياب إصلاح عميق، إلى مزيد من التباعد بين الدولة والمجتمع.
التحدي أمام الدولة
تواجه الدولة اليوم تحديًا مزدوجًا:
1. اقتصاديًا: إيجاد حلول ملموسة للبطالة البنيوية التي تضرب الشباب، وإعادة الثقة في وعود التنمية.
2. سياسيًا: تجديد أدوات الوساطة والانفتاح على لغة جديدة للتواصل مع جيل لا يؤمن بالشعارات الجوفاء.
مشهد مفتوح على المستقبل
لا يمكن الجزم بمآلات هذا الحراك، لكن المؤكد أن المغرب يقف على أعتاب تحوّل اجتماعي مهم. جيل “Z” لم يعد كتلة صامتة، بل أصبح قوة احتجاجية واعية، تحمل معها أسئلة المستقبل، وتطالب بدور مركزي في صياغته. والسؤال المطروح: هل يلتقط صانع القرار هذه الإشارات ليعيد ترتيب البيت الداخلي، أم يظل في موقع رد الفعل إلى أن تتعاظم موجة الغضب؟
