الداخلة – مراسل الجريدة
في الوقت الذي تُعرف فيه مدينة الداخلة بجمالها الطبيعي وثرواتها البحرية وموقعها الاستراتيجي، بدأت تلوح في الأفق ظاهرة مقلقة تهدد النسيج الاجتماعي والثقافي للمنطقة، تتمثل في تزايد إقبال بعض السكان، خاصة من الفئات الهشة، على السحرة والمشعوذين القادمين من دول جنوب الصحراء.
هؤلاء الدجالون الذين يتسللون إلى المجتمع المحلي تحت غطاء “الطب التقليدي” أو “الروحانيات”، يمارسون طقوسًا غريبة تخلط بين الشعوذة والدجل، وتستغل ضعف بعض المواطنين وجهلهم أو معاناتهم النفسية والعائلية. ومع غياب وازع ديني راسخ لدى بعض الفئات، وضعف الرقابة، أصبح هؤلاء يجدون بيئة خصبة لتمرير خرافاتهم وبيع أوهامهم بأسعار باهظة.
من ضحايا الشعوذة إلى فوضى اجتماعية
العديد من القصص المؤلمة بدأت تتسرب إلى العلن: أسر تفككت بسبب “أعمال تفريق”، وأفراد أصيبوا بأمراض نفسية حادة بعد خضوعهم لطقوس غامضة، وآخرون خسروا أموالهم في البحث عن “الحظ” أو “الحب” أو “الشفاء”. بل وصل الأمر ببعض الحالات إلى ممارسات تمس الكرامة الإنسانية، من قبيل الاستحمام بمواد نجسة أو تناول أعشاب مشبوهة، أو حتى التضحية بالحيوانات في طقوس غير إنسانية.
ويؤكد بعض الفاعلين الجمعويين أن هذه الظاهرة لا تهدد فقط الأفراد، بل تضرب في عمق القيم المجتمعية، من خلال نشر ثقافة الخوف والتشكيك والخرافة، بدل العقل والعلم والحوار.
المصدر والدافع: الفقر والجهل وغياب التوعية
يرى باحثون اجتماعيون أن السبب الرئيسي في انتشار هذه الظاهرة هو التقاء عوامل عدة، منها الفقر، والبطالة، وضعف التعليم، وغياب التكوين الديني الرصين، ناهيك عن هشاشة البنية النفسية لبعض الأفراد، الذين يبحثون عن حلول سريعة لمشاكلهم بدل اللجوء إلى المختصين.
كما أن وجود عدد من المشعوذين القادمين من بعض دول إفريقيا جنوب الصحراء، المعروفين بإتقانهم لطُقُس “الفودو” و”السحر الأسود”، زاد من خطورة الوضع، خاصة في ظل غياب رقابة صارمة على أنشطتهم.
دعوات للتدخل والوعي الجماعي
في ظل هذا الوضع، تعالت أصوات المجتمع المدني في الداخلة مطالبة بتدخل عاجل من السلطات المحلية والأمنية، لمحاصرة هذه الظاهرة والحد من انتشارها. كما دعا نشطاء إلى تكثيف الحملات التحسيسية، وفتح نقاش عمومي حول الموضوع، وإشراك الأئمة والعلماء والأطباء النفسانيين في توعية الساكنة بخطورة الشعوذة وتأثيرها المدمر على الأفراد والمجتمع.
ومن جهتها، أكدت مصادر مطلعة أن السلطات بدأت بالفعل في رصد تحركات بعض المشبوهين، في أفق اتخاذ الإجراءات القانونية في حقهم، خاصة في حالة ثبوت تورطهم في النصب أو إيذاء المواطنين.
تبقى مدينة الداخلة، كما هو حال باقي مناطق المغرب، في حاجة ماسة إلى يقظة جماعية ووعي جماهيري لمواجهة مثل هذه الظواهر التي تسعى لتقويض العقل وتكريس الجهل والخرافة. فالسحر لا يحل مشاكل الناس، بل يعمق جراحهم، ويهدم الروابط الأسرية، ويفتح الباب أمام الفوضى الاجتماعية.

