الداخلة – خاص
رغم الجهود الأمنية المكثفة التي تبذلها السلطات بمدينة الداخلة، تشهد المدينة في الآونة الأخيرة تصاعدًا مثيرًا للقلق في حالات سرقة السيارات، سواء الأجرة منها أو المدنية، في عدد من أحياء المدينة، ما يطرح علامات استفهام حول الأسباب الحقيقية وراء هذه الظاهرة، وتداعياتها على الأمن المجتمعي والاقتصادي، وخاصة في ظل الوضع الاجتماعي الهش الذي تعرفه المنطقة مؤخرًا.
تشديد أمني… ولكن؟
يؤكد عدد من سكان الداخلة أن “العيون ترى دوريات الأمن في كل زاوية تقريبًا، ولكن يد السارقين لا تزال تمتد إلى ممتلكات المواطنين”، في مفارقة تضع الجهاز الأمني في مرمى انتقادات صريحة، رغم المجهودات المبذولة. الظاهرة لا تتعلق فقط بسرقة السيارات في وضح النهار أو تحت جنح الظلام، بل تتطور أحيانًا إلى اعتداءات ومحاولات ابتزاز، في ظل غياب تغطية كاميرات المراقبة في أحياء بكاملها، ومحدودية التدخل الفوري في بعض الحالات.
البطالة الخفية بعد انهيار قطاع الصيد البحري
وراء هذا التصعيد في الجريمة، تقف أزمة اقتصادية خانقة، تفاقمت مع تراجع نشاط الصيد البحري، الذي كان يشكل المتنفس الأول لعشرات الآلاف من أبناء الداخلة والقرى المجاورة. فقد أدى تقليص رخص الصيد، واحتكار القطاع من قبل فاعلين كبار، إلى تفريغ الميناء من اليد العاملة المحلية، وارتفاع نسب البطالة في صفوف الشباب.
أكثر من ذلك، أصبحت الداخلة، التي كانت يومًا “مدينة الفرص”، تشهد هجرة معاكسة نحو المدن الكبرى في الشمال، بينما يتم في المقابل استقدام عمال من خارج المنطقة، في ظل ممارسات انتقائية في التشغيل، يغلب عليها طابع “القرابة القبلية” أو المحسوبية”، كما يصفها بعض أبناء المدينة.
“أنت ابن فلان”… معيار جديد للعيش الكريم؟
تُثار اليوم داخل أوساط المجتمع الصحراوي تساؤلات محرجة عن مدى عدالة توزيع فرص العمل والاندماج في النسيج الاقتصادي، خصوصًا مع تصاعد ظاهرة “توظيف أبناء القبائل النافذة” أو من لهم ولاءات قبلية محددة، على حساب الكفاءات المحلية المهمّشة. هذه الممارسات ساهمت في إحساس عام بالإقصاء والتهميش، وهي بيئة خصبة، كما تؤكد الدراسات، لتنامي الانحرافات والسلوكيات الإجرامية.
ما الحل إذن؟
لمعالجة الظاهرة، يقترح متابعون للشأن المحلي مقاربة شاملة تجمع بين:
1. تعزيز العمل الاستخباراتي والأمن الوقائي، وليس فقط الاكتفاء بالحضور الميداني التقليدي.
2. تركيب كاميرات المراقبة في النقاط السوداء، وتفعيل دور المجتمع المدني في الرصد والتنبيه.
3. إعادة الاعتبار لقطاع الصيد البحري من خلال فتح المجال أمام أبناء المنطقة، ومحاربة الريع والاحتكار.
4. اعتماد معايير شفافة في التوظيف تضمن تكافؤ الفرص بعيدًا عن الولاءات القبلية.
5. فتح ورشات للتكوين والتأطير المهني لفائدة الشباب، كبديل واقعي للفراغ القاتل الذي يدفعهم نحو الجريمة.
الداخلة اليوم تقف على مفترق طرق: فإما أن تعالج مشكلاتها الاجتماعية والاقتصادية من الجذور، وتعيد الثقة لأبنائها في المؤسسات، أو أن تواصل الانزلاق نحو وضع قد يصعب تداركه، خاصة مع تنامي مشاعر الغضب، وتآكل الطبقة المتوسطة، وفقدان الأمل في التغيير.

